مقال جسور

الفلسطينيون في لبنان .. ما بين القضية والضيافة والسياسة والهجرة

الفلسطينيون في لبنان .. ما بين القضية والضيافة والسياسة والهجرة

مها كيال

أستاذة جامعية وباحثة

 لا يوجد إنسان عروبي أو حي الضمير يختلف في اعتبار أن القضية الفلسطينية هي القضية المحورية الحقيقية في منطقتنا العربية منذ العام 1948، والتي عشنا بسببها، وما زلنا، أزمات وحروباً واضطرابات؛ لكن الإيمان بأحقية هذه القضية شيً ومشكلة النزوح والنازحين شيء آخر (Doraï, 2006).  فلقد شكّل النزوح الفلسطيني إلى لبنان، ظاهرة إشكالية بأوجه متعددة، تجسدت بعيش النازحين ضمن مجالات وحدوداً مؤطرة، متصلة/ منفصلة عن المدن اللبنانية، وضمن مجتمعات تشكّلت بخصوصيات وثقافة وانتماءات النازحين أنفسهم، أعطيت لهم فيها حقوقاً لا ترق لحدود المواطن المقيم على المستوى الاقتصادي والاجتماعي؛ قضية معقدة بالنسبة لعيشهم لا سيما وأن بقاءهم في لبنان ما زال مستمراً، دونما إمكانية عودة مأمولة إلى فلسطين في التاريخ المنظور.

لقد بات عمر استضافة النازحين الفلسطينيين في لبنان اليوم 74 عاماً. أجيال من هؤلاء ولدت في هذا البلد، ولا تعرف من القضية إلا ما حملته في ذاكرتها من موروث بيئتها وجماعاتها في المخيم، وما عاشته في لبنان من ظروفٍ ومعاناةٍ يومية للاجئ يفتش عن حقه الإنساني في مكان إقامته، وعن قانون مستقر ومنظم، يضمن له حقوقه في العمل والتنقل، في الارث والتملك، من دون أن يلغي هويته وحقه في العودة لوطنه الفعلي: فلسطين. ولا ننسى أن نضيف إلى كل هذه المعاناة ظروف المجال الذي يعيش هذا النازح ضمنه، والخدمات المؤمنة له فيه، كما والأحداث والصراعات السلطوية المُهيمنة عليه، سواء منها الصراعات السلطوية الفلسطينية/الفلسطينية، أو الفلسطينية/اللبنانية. أو حتى صراع المجال ما بين المخيمات ومحيطها اللبناني الذي تلاصق عمرانياً بالمخيمات بسبب تنامي النزوح الريفي/اللبناني إلى المدن التي تضاعف نموها الديموغرافي فابتلعت أحزمة البؤس التقليدية في كتلتها العمرانية الممتدة، وابتلعت معها المخيمات المؤطرة في مجالات محروسة أمنياً.

واشكالية النزوح الفلسطيني والعيش في لبنان لم تقتصر آثارها على النازحين، فلقد كان للبنان نصيبه الكبير من تداعياتها عليه. فهذا البلد القائم على تركيبة طائفية وعلى توازنات ديموغرافية/ سياسية، لا يحتمل هكذا استضافة لزمن طويل. خصوصاً وأنه تعرض بسب المحاولات التاريخية المتعددة التي أقدمت عليها دول عظمى وإقليمية، وإسرائيل بشكل أساسي، لحل قضية اللجوء وقضية فلسطين على حساب الدول المضيفة لأبناء الشتات من الفلسطينيين كي تنهي القضية.

إن كافة هذه المسائل قد تسبّبت في الحد من طموح ومن أحلام الأجيال الفلسطينية الناشئة في لبنان، كما تسببّت فيما عاشه لبنان من أزمات سياسية وحروباً داخلية وخارجية طالت شظاياها الفلسطينيين، كما لعب الفلسطينيون أنفسهم دوراً في تأجيجها.

لن ندخل، من خلال هذه المقاربة القصيرة في تفصيل تاريخية النزوح الفلسطيني في لبنان، لكن، إن أردنا أن نكون منصفين في توصيف أثر هذا النزوح حتى الآن، لا يمكننا أن نحدد بشكل دقيق، من هو الضحية فيه:

  • أهو النازح الفلسطيني الذي تم طرده واحتجازه واستغلاله كيدٍ عاملة رخيصة، بسبب سياساتٍ محلية (العلي، 2016)  لم تعطه حق المواطن الضيف بسبب خصوصياتها، وبحجة ضمان حق العودة؟ وحتى أكثر من ذلك، فلقد ذهبت هذه السياسات، بذكورية هيمنتها لأن تحرم اللبنانيات من حق اعطاء جنسيتهن لأبنائهن مستندة في قرارها على حجة عدم توطين الفلسطينيين، وفي هذا مؤشر خطير، مخالف لبنود الدستور والمواطنة ولحقوق الإنسان.
  • أهو هذا النازح الفلسطيني الذي هُجّر من الأردن بسبب أيلول الأسود وفقد تسجيله في الأونروا وباتت اقامته في المخيمات اللبنانية تختلف عن إقامة النازحين الفلسطينيين في العام 1948، أم هو هذا الفلسطيني الذي هُجّر في لبنان بعد مجزرة صبرا وشاتيلا إلى مخيمات لبنانية أخرى، أم الذي هُجّر من نهر البارد بعد المعارك الطاحنة التي أدت إلى تدميره؟ أم هو الفلسطيني الذي شارك في الحرب الأهلية وكان جزءاً أساسياً في تأجيجها، أو الفلسطيني الذي ما زالت مخيماته ملاذاً  للفارين من وجه العدالة، أو… أو…..

في الواقع، لكل مرحلةٍ تاريخية من تاريخ النزوح الفلسطيني في لبنان، ضحيتها ولها جلادها، أما الجلّاد الفعلي، فهو في مكانٍ آخر، في دولة مُغتصبة للحقوق والأرض والبشر، هي اسرائيل، وفي مجتمع دولي منحاز لمصالح الدول القوية لا للحق، كما في خصوصية نظامٍ لبناني لم يرق بعد لتخطي انقساماته وامتداداته الخارجية كي يبنى مجتمع المواطنة الغنية بتنوعاتها.

إن ما يهمنا توصيفه ضمن هذه المقاربة التي عنوناها:” الفلسطينيون في لبنان ما بين القضية والضيافة والسياسة والهجرة”، هو أن الحديث عن مشكلة اللجوء الفلسطيني في لبنان، لم يعد يتصدر الخطاب السياسي اللبناني، فلقد حل مكانه راهناً الحديث عن إشكالات النزوح السوري، وهذا الأمر يستدعي منا التوسع في أسباب هذا التغيّر وفي فهم واقع النازحين الفلسطينيين راهناً. من خلال ما أفرزه تاريخ نزوحهم من نماء لمتخيل صراعي بين الفلسطيني واللبناني نتج عنها، كما بيّنا، صراعات فعلية كان من أشدها ما حدث في الحرب الأهلية، أو في مجازر صبرا وشاتيلا، وكان آخرها ما حدث من معارك في مخيم نهر البارد، والتي أدت إلى تدميره. فلقد شكّلت هذه الأزمات جميعها عقبات فكرية، وقانونية واجتماعية واقتصادية حدّت جميعها من الإندماج الواقعي للفلسطينيين “كمَدنيين” مقيمين في المجتمع اللبناني.

  • في تعدد اللاعبين المحليين والدوليين الذين يتعاطون مع المسألة الفلسطينية في لبنان

لا شك أن مسألة الإقامة الفلسطينية في لبنان هي، كما بيّنا، الأكثر تعقيداً لأسباب لا تقف عند حدود قضية الإقامة والحقوق والصراعات التاريخية التي تناولناها، بل تطال أيضاً مسألة تداخل السلطات الفاعلة في عيش هذه الجماعة الاجتماعية: السلطات المحلية، السلطات الدولية، والسلطات الفلسطينية في تمثيلها المحلي وفي تقسيماتها التي نمت سياسياً في المخيمات الفلسطينية ونمت معها صراعاتها السلطوية في التشكيل الداخلي للمخيم. صحيح أن السلطات الفلسطينية هي التي باتت مسؤولة عن أمن المخيمات مع إقرار التزام الحياد في النزاعات اللبنانية (Dot-Pouillard, 2020)، لكن الجيش اللبناني ما زال هو الذي يحمي المداخل، أمر يُبيّن كيف أن المخيمات ما زالت جزراً مُغلقة ومُهمّشة (صلاح، 2022) .

وتعد الأونروا المنظمة الأممية التي ما زالت تقدم الكثير من الدعم للفلسطينيين على مستويات عدة: تربوية، صحية، اقتصادية واجتماعية ومجالية، إلا أن أزمة سوريا ونزوح الكثير من سكان مخيم اليرموك إلى مخيمات لبنان زاد الأمر المعيشي تعقيداً في المخيمات الفلسطينية اللبنانية، هذا إذا ما أضفنا إلى هذه المشكلة، مسألة الركود الاقتصادي والأزمة المالية التي يعيشها لبنان والتي انعكست حُكماً على أبناء المخيمات، وإذا ما زدنا عليهم أن اسهامات الدول المادية لهذه المنظمة هي أيضاً خاضعة لقراراتها السياسية. فاليوم لا تُغطي الأونروا أكثر من 10% من الخدمات الصحية وتُعد تقديماتها في المجال التربوي متراجعة عما كانت عليه (Gil, 2021).

  • الفلسطينيون في لبنان: ما بين النزوح خارج المخيمات والهجرة

إن أردنا أن نفهم واقع تحولات العيش في المخيمات، ونمو الفروقات الطبقية بين النازحين أنفسهم وبين أنماط عيشهم وطموحاتهم المستقبلية، خلال مرحلةه تزيد عن سبعة عقود، من المهم أن نُشير أن المجال الذي شكله النازحون الأوائل لمخيماتهم وقسّموه وفق خصوصياتهم القرابية والمناطقية التي نزحوا منها، قد تغيّر بشكلٍ كبير لأسباب عدة، من أهمها أن قسماً كبيراً ممن تمكّن من النازحين الفلسطينيين الهجرة  للعمل  أو للدراسة قد عاد إلى لبنان ليبني في محيط المخيم أو ليسكن خارج مجال المخيم، أو أنه اختار عدم العودة ليبقى مهاجراً في دول تضمن لأبنائه حقوقاً مدنية هو محروم منها في لبنان. مسألة انعكست آثارها على المخيم نفسه (صايغ، 1993). وتُشير الاحصاءات الأخيرة أن عدد اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات والتجمعات السكنية قد بلغ 174422 فرداً وأن 45.1% من اللاجئين الفلسطينيين يعيشون في المخيمات مقارنة مع 54.9% منهم يعيشون في التجمعات والمناطق المحاذية، وذلك بحسب التعداد العام للسكان والمساكن في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان، الذي أنجرته لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني في 2017 (المركزية، 2019).

هذه التحولات الجوهرية في مجال المخيمات، غيّرت في نسيجها الديموغرافي وأبقت فيها على من لا يقوى على تركها، أو على من تطبّع على نمط العيش ضمنها، مسألة تجلت في رصدٍ لتنامي الفقر فيها (صلاح، 2022) خصوصاً بعد الإنهيار الاقتصادي والمالي الذي يعيشه لبنان.

بعد توصيفٍ عامٍ سريع لواقع الفلسطينيين في لبنان، ولإشكاليات وجودهم وأسباب المُتخيّل الصراعي حوله تاريخياً، من المهم أن نشير أنه وبالرغم من ما نعيشه في لبنان من أزمات متعددة ، من الضروري ألا ينسى القيمون أن واقع المخيمات قد بات ملحاً الإلتفات إليه والتعاون مع سلطاته، وذلك بالقدر نفسه لضرورة الإلتفات إلى أحزمة البؤس حوله، فهذه المناطق جميعها التي تلاصقت مجالياً مع المخيمات وباتت تتشابه من حيث التشكّل والمعاناة والهشاشة، هي جميعها مجالات من الصعب تركها لمعاناتها، كما العادة،  لأن هذه المعاناة لا بد من أن تعبر عن ذاتها بأشكال قد تصل أحياناً كثيرة حد الاستغلال وحدّ العنف، كما شهد التاريخ قبلاً على ذلك، وكما قد يشهد المستقبل إذا لم تُعالج هذه القضايا بحكمة واستراتيجية تنموية وإن كان يفترض وجود الفلسطينيين النازحين “بالمفترض” في لبنان مؤقتاً. 

مراجع

Doraï, M. K. (2006). Chapitre IV. Les déplacements forcés des Palestiniens au Liban. Recompositions géopolitiques et spatiales. Dans C. Éditions (Éd.), LES RÉFUGIÉS PALESTINIENS DU LIBAN: Une géographie de l’exil. Récupéré sur https://books.openedition.org/editionscnrs/2418

Dot-Pouillard, N. (2020, Octobre 12). Jouer le jeu ? Les Palestiniens du Liban, entre marginalisation sociale et « rhétorique de l’officiel ». Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée [En ligne], 147. doi:https://doi.org/10.4000/remmm.14136

Gil, I. (2021, 6 3). Au Liban, la cause palestinienne est ravivée, mais les réfugiés sont toujours marginalisés. Récupéré sur les cles du Moyen- Orient: https://www.lesclesdumoyenorient.com/Au-Liban-la-cause-palestinienne-est-ravivee-mais-les-refugies-sont-toujours.html

العلي, م. (2016). واقع عمل الفلسطينيين في المهن الحرة في لبنان. بيروت: سلسلة حوارات السياسات- العلاقات اللبنانية الفلسطينية/3.

المركزية. (2019, تموز 29). كم يبلغ عدد الفلسطينيّين في لبنان وأين يعيشون؟  https://almarkazia.com/ar/news/show

روز ماري صايغ. (1993). الفلسطينيون في لبنان واقع مؤلم ومستقبل غامض. (مؤسسة الدراسات الفلسطينية، المحرر) مجلة الدراسات الفلسطينية، 13.

صلاح صلاح. (2022). الأمن الاجتماعي في المخيمات. تم الاسترداد من المؤسسة الفلسطينية لحقوق الانسان (شاهد) : http://pahrw.org/portal/ar-LB