مقال جسور

عن حدود العلاقة بين الهوية الشخصية وحقوق الإنسان

عن حدود العلاقة بين الهوية الشخصية وحقوق الإنسان

مراجعة: رشا الزهراوي

روائية ومترجمة سوريّة

مع بروز نزعات إمبراطورية متعددة الأشكال والغايات وَسَمَت عالم القرن الحادي والعشرين، تتزايد أهمية إعادة قراءة حدود العلاقة بين الهوية الشخصية (بشكل خاص) وحقوق الإنسان (بشكل عام) في أزمنة اختلال الهويات والتواصل السريع والعابر للحدود الوطنية والقومية؛ ذلك أن التباسات العلاقة بين حقوق الإنسان وواجباته من جهة، وهويته وخياراته الشخصية من جهة ثانية، باتت تؤثّر في معايير هذه الحقوق والواجبات، وفي صورة الذات والعلاقة بالآخر، وهو ما تعالجه الأستاذة المحاضرة في جامعة “ليستر” في المملكة المتحدة “جل مارشال” في كتابها (حقوق الإنسان والهوية الشخصية)[1] الذي يُعنى بقوانين حماية الإنسان والدور الذي تضطلع به في تشكيل الهوية الشخصية وحمايتها، وتناقش من مناظير شتى، وفي عصرنا المتسم بالتحرر والفردية، كيف أن قوانين حقوق الإنسان تحتوي بعض الأنواع من الهويات الشخصية وتقصي بعضها الآخر بطريقة ربما تقيد الحرية أكثر مما تعززها.  

تقول البروفيسورة مارشال إن كتابها لا يصف ما تنصّ عليه قوانين حقوق الإنسان، وتستطرد بأنه يتعلق بالحب والرعاية والتواصل، والاكتفاء، والاستقلال، والانتماء، ووجودنا في هذا العالم، وأن نصبح من نريد أن نكون، وعن كيفية ارتباط قانون حقوق الإنسان بكل ما سبق. خطت “مارشال” كتابها من موقف نظري يستند إلى مجموعة متنوعة من المصادر، مع إدراج خاص لبعض الأفكار النسوية وبعض نظريات “هونيث” وهو أحد مفكري نظرية الاعتراف.[2] ويوضّح الكتاب كيف أن دراسة قانون حقوق الإنسان والهوية الشخصية تنطوي على أفكار العدالة، والمساواة، والكرامة، والاحترام. وهذه الأعمال النظرية مجمّعة مع أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان لإظهار الدور الذي يؤديه قانون حقوق الإنسان في بناء هوياتنا وحمايتها.

يتألف الكتاب من ثلاثة أبواب وسبعة فصول؛ الباب الأول حمل عنوان (أيّ هوية؟ وأيّ حقوق؟) تناقش فيه المؤلفة تطور الحقوق بامتلاك هوية شخصية بوصفها ملكيّة ذاتية. والباب الثاني (حماية جوهر هوياتنا الثابت)، تُحلل فيه مبادئ المساواة وعدم التمييز التي يفترض أن توجد في قوانين حقوق الإنسان، وتوضح الكاتبة كيف يمكن إعادة بناء الحقوق لمراعاة التكوين الاجتماعي كما نفضّله والطبيعة غير القضائية لهوياتنا،  وتدرس فيه أيضا 0(النفس والنوع والعقول) و(علم الأحياء والدم) و(الثقافة العرقية والدين: المصطلحات المسموح التعبير بها عن الهوية؟). أما الباب الثالث والأخير فعنوانه (تمكين هوايتنا من الوجود)، فيركز على القضايا والسوابق القضائية التي يمكن تفسيرها على أنها تسمح لنا بأن نكون ونصبح من نريده بطريقة ذاتية ومحددة للذات. وتخلص إلى أن من المفارقات الكبرى، في عصر الهوية الفردية، أن يشكل هذا الطرح تناقضاً؛ حيث نعتقد بطريقة ما أننا نصنع ذاتنا ونختار هويتنا بحرية، فإننا مضطرون بشكل متزايد للعيش بطرق معينة تقصي الهويات التي لا تتناسب مع ما هو مقبول.

بحسب “مارشال” فإنه في القرنين العشرين والحادي والعشرين، بات البحث في الهويات الشخصية فرعاً من علوم ودراسات حقوق الإنسان، وفي سبيل السعي المحموم لتعريف واكتشاف ماهية “الهوية الشخصية”، أطلقت جمعية The Wellcome Trust عام 2009 مشروعاً مدته 9 شهور  بعنوان “مشروع الهوية” ، ونُشرت نتائجه الأولية تحت عنوان الجينوم البشري: «كتاب الحياة»، وهدفت إلى إبقاء نظرة علمية أعمق على هوياتنا أكثر من أي وقت مضى. وتزامن نشر نتائج المشروع مع إنتاج موجة من البرامج التلفزيونية التي تروج لإظهار ذواتنا «الحقيقية»، وبعد شهر بُثت أول سلسلة بريطانية من Big Brother – التي استحوذت على ملايين المشاهدين.

وتتابع القول بأن مشروع الجينيوم البشري وسلسلة Big Brother يُعتبران السمتين الأساسيتين للعقد الماضي ويثيران الأسئلة حول الهوية، وأنهما علّمانا أكثر عن ماهية ذواتنا!! تناقش الكاتبة موضوع الهوية الشخصية وقانون حقوق الإنسان من منظور بحثي علمي وأوروبي بحت، ولا تتطرق لمفهوم الهوية والحقوق في مناطق الصراعات السياسية والعسكرية وما تخلّفه من أزمات كاللجوء، لكن استنتاجات الكتاب تحيل إلى ما يشبهها في السياق العربي لناحية ضرورة إعادة دراسة الهويات الخاصة وحدود علاقتها بحقوق الإنسان، عطفاً على أزمات السياسة والاقتصاد وانعدام الحريات وتعثر التنمية وغياب الحلول لكثير من القضايا المستعصية، التي أفرزت أزمات إنسانية هائلة، خصوصاً في العقد الماضي، فتعقدت الأزمات وغابت الحلول أمام الحكومات التي تلتزم باستقبال اللاجئين لكونها دولاً أعضاء في الأمم المتحدة وخاضعة لقوانينها، وبين لاجئ يحاول إثبات نفسه وأخذ مكانه وحقوقه في بلد اللجوء، وبين مواطن يحاول الحفاظ على هويته وحقوقه (غير الموجودة تقريباً) داخل حدود بلاده، لا يمكن حصر الكلام بالشأن السياسي على أهميته، ثمّة ظواهر لها علاقة بالهوية والحق الإنساني تستحق التوقف عندها؛ أزمات اللجوء وعوائق الاندماج الاجتماعي، تعليم أبناء الجاليات في بلدان أخرى الذين يدرسون في مدراس تتبع للسفارات أو المؤسسات العالمية التي درجت بكثرة خلال العقدين السابقين، فهؤلاء الطلبة يشكلون ظاهرة غريبة اسمها – -Heritage Students؛أي طلاب التراث أو الإرث حيث ليس لديهم لغة أم، لذلك هم يدرسون ويحسنون الإنكليزية بطلاقة ويتحدثون في البيت اللهجة العامية لبلدهم، وبهذا لا تكون لغتهم الأم لغة بلدهم الأصلية ولا الإنكليزية.

الهوية الشخصية القانونية

تسأل “مارشال” من؟ أو ما هو الشخص؟ للإجابة عن هذين السؤالين آثار قانونية، يعتقد معظم الناس أن مجموعة مشتركة من العناصر بين البشر تشكل الشخصية الإنسانية مثل كون الشخص بشراً لديه القدرة على التفكير المنطقي ولديه نفسٌ وروح، لكن هذا المنظور أقصى بعض أفراد المجتمع البشري مثل النساء والسود على مدى التاريخ،  بينما تفرز المجتمعات خصائص أخرى اجتماعية، أو سياسية مثل النوع أو العرق أو الجنسية أو الدين.

         في معظم بلدان العالم، تُسجل هوية الشخص لدى ولادته قانونياً وتدون فيها معلومات مثل مكان الولادة وتاريخها، والولادة، والنوع، والاسم، ومعلومات الأبوين، وترافقه طوال حياته في جميع معاملاته اللاحقة كالزواج والتعليم والوفاة، إلخ. ويعتقد معظم الناس أن مثل هذه السجلات تؤهل حاملها  للحصول على حقوق الإنسان، وبينما تقلق الكاتبة على وضع المتحولين جنسياً ووجود تضارب بين شهادة ميلادهم الأصل والمستحدثة لاحقاً، نقلق نحن على مصير ملايين الأطفال النازحين واللاجئين الذين يحرمون من أبسط حقوق الإنسان كحق الوجود؛ فالهوية الشخصية مناطة بالوجود، وعيش الحياة بكرامة واستحقاق، وأن يعيش الإنسان دون خوف، في مأوى آمن وبيئة صحية. ومعظم اللاجئين والنازحين في الشرق الأوسط لا يتمتعون بأدنى هذه الميزات؛ ولذا هم فقدوا طبيعياً حقهم بوجود هوية، وهذه ظاهرة يجب أن تعالج خاصة مع الاضطرابات السياسية القائمة منذ مطلع عام 2011 وتنذر بكارثة اجتماعية محققة،  وهذه كلها طاقة وموارد بشرية مهدورة، ربما لو حظوا بفرصة عادلة في الحياة لساهموا في نمو الدول الحاضنة وتطويرها، مع كونهم في ذات الوقت خاضعين لأحكام وواجبات تجاه البلد المستضيف لقاء حقهم بالاحتفاظ بهويتهم، فالمادة 29 من قانون حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تنص على أن “لكل فرد واجبات تجاه المجتمع الذي يمكنه من أن يكون فيه حراً ويمكن لشخصيته أن تطور” [3].  ولعل عظمة أمريكا وأوروبا تكمن في إعطاء فرصة عادلة لأولاد اللاجئين بغض النظر عن هوية أهلهم وخلفياتها ودون المساس بالهوية المجتمعية العامة لهذه الدول.  فوفقاً لمعاهدة أوفيدو حول الأخلاق الحيوية التابعة لقوانين أوربا لحقوق الإنسان فإنه ” تسود مصلحة الإنسان ورفاهه على مصالح المجتمع أو العلم”.

وتنصّ شرعة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة على أننا نُخلق جميعاً أحراراً وسواسية كبشر[4] ،  وحرية ومساواة البشر هي جوهر وأساس الحداثة والعصرية ونظرياتها في العقد الاجتماعي من هوبز إلى لوك إلى روسو ومن بعدهم[5].

لكن “كوستاس دوزيناس” يرى أن قانون حقوق الإنسان المعاصر  يمكن اعتباره “نضالاً مستمراً وفشلاً دائماً لسد الفجوة بين البشر في النظريات والمواطن في الواقع الملموس[6]. وبخصوص هذه النقطة تجادل “مارشال” بأنه كي يفي قانون حقوق الإنسان بالغرض، هناك حاجة إلى بيئة تُنشأُ فيها الهوية الشخصية وتُطَوّر وتُرعى، وهذا يحتاج منا إلى الاعتراف بالجودة الذاتية لجميع شخصياتنا. وعند سؤاله من أين تأتي حقوق الإنسان، أجاب “جاك دونيلي” بأن “الإنسانية أو الطبيعة البشرية هي مصدر حقوق الإنسان” [7] فمع فطرتنا الإنسانية، تكون حقوق الإنسان سرداً أخلاقياً إلزامياً يُمكن للناس تحقيقه بوصفهم أفراداً في العائلة البشرية. 

     وبناءً على فرضية “دونيلي” يمكن إعادة فرض الصور النمطية وتشجيع الجوهرية، وما هذه المقالة إلا دعوة للبحث عن مُثُل ومفاهيم جديدة للذات التي من شأنها أن تستوعب التناقض وعدم الاتساق واللاعقلانية التي تميز تجربتنا الإنسانية. نحن لا نعيش وحدنا فهويتنا وما نحن عليه تنطوي على العثور على شيء مشترك مع أو مشابه للبشر الآخرين، ويتطلب الأمر بشكل شبه دائم عدم تحديد هوية للآخرين على أنهم مختلفون ومتميزون، فهكذا يتشكل الانتماء العالمي أو المواطنة العالمية.. وليس أدلّ على إشكالية هذا الموضوع من استشهاد الكاتبة بالروائي البريطاني “جورج أورويل” حين وضع شعاراً لوزارة الأخلاق الخياليّة هو الحرب سلم.. والحرية عبودية.. والجهل قوة”.                                                           


[1]  Jill Marshall, Human Rights Law and Personal Identity, (Routledge,2014).

[2] ظهرت نظرية الاعتراف لأول مرة في القانون الدولي العام، على قاعدة أن الاعتراف بالدولة هو وسيلة لإدخال الكيان المعترف بها حديثاً في حدود العلاقات الدولية، حيث تتمتع الدولة بالحقوق الأساسية في المجتمع الدولي. ومن ناحية أخرى، القدرة على إقامة علاقات سياسية وقانونية.

A Honneth, The Struggle for Recognition:  The Moral Grammar of Social Conflicts (Cambridge:  Polity Press 1992); C Taylor, The Ethics of Authenticity (London: Harvard University Press 1991); N Fraser Redistribution or Recognition? New Left Review.

[3] UN General Assembly, Universal Declaration of Human Rights, 10 December 1948,217 A (III).

[4] Abid.

[5] T Hobbes, Leviathan(Oxford: Oxford Paperbacks 2008), J Locke, Two Treatises on Government (Cambridge: Cambridge University Press 1988), JJ Rousseau, The Social Contract(M Cranston trans., Harmondsworth Penguin 1968), J Rawls, A Theory of Justice(Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press 1971). 

[6] C  Douzinas  ‘Seven  Theses  on  Human  Rights:  (2)  Power,  Morality  and  Structural  Exclusion’  available  at www.criticalthinking.com;  see  also  Costas  Douzinas,  ‘Critique  and  Comment:  The  End(s)  Of  Human  Rights’ (2002) 26 Melbourne University Law Review445 and C Douzinas The End of Human Rights(Oxford: Hart 2000)43See  in  particular  J  Marshall, Personal Freedom Through Human Rights Law? Autonomy, Identity and Integrity under the European Convention on Human Rights (Leiden: Brill 2009).

[7] J Donnelly, Universal Human Rights in Theory and Practice(Ithaca, NY: Cornell University 2003) at p 13.