مقال جسور

لبنان المستقرّ دعمٌ للقضيّة الفلسطينية.. ولذلك شروط

لبنان المستقرّ دعمٌ للقضيّة الفلسطينية.. ولذلك شروط

السفير خليل كرم

رئيس الرابطة المارونية

بتاريخ 13 حزيران/يونيو 2022، نظّمت لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني بالتعاون مع معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت، ورشة تفكير ونقاش أكاديمية بعنوان “اللجوء الفلسـطيني في لبنان: السياسات / الحقوق / الهواجس”بمشاركة باحثين وخبراء لبنانيين وفلسطينيين وأجانب، وتحدث فيها بشكل رئيسي كل من رئيس الرابطة المارونية السفير الدكتور خليل كرم، المفكر الفلسطيني سلمان أبو ستّة، الباحثة والأكاديمية الهولندية نورا ستيل والباحث والأستاذ الجامعي وسام سعادة، عرضت بشكل معمّق وعلمي لموضوع اللجوء الفلسطيني، وخصوصاً مسألتي الحقوق والواجبات من وجهات نظر متعددة.. النص الآتي مختصر لمداخلة السفير كرم.

اللجوء الفلسطيني في لبنان وغيره، لم يكن خيارا، ولا حلاً لقضية إنسانية نتجت من أكبر نكبة حلت بشعب هجر من أرضه قسرا بالقوة والاكراه بعد سلسلة من المجازر.
كان احتلال فلسطين وافراغها من ابنائها واجلائهم عن أرضهم ، وانكار حقهم التاريخي فيها،هو الزلزال المدوّي الذي هزّ قواعد اللعبة الدولية والاقليمية، وادخل إلى المنطقة العربية البراكين المتفجرة ولادة عدم الاستقرار.
إن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين تطرق اليها القرار الأممي الصادر في ١١ كانون الأول ١٩٤٨، والذي يحمل الرقم ١٩٤/ ٤٨ . وقد نص على حق العودة للفلسطينيين الذين هجروا من مدنهم وقراهم، وغادروا منازلهم هربا من المجازر على يد عصابات ” شتيرن” و” هاغانا”.       
ويجب أن نعترف أن الدبلوماسية العربية فشلت في ابقاء موضوع العودة حيا في المحافل الدولية. وثمة فشل في صوغ موقف عربي موحد من هذه القضية، ما أضعف الشعور بضرورة العودة لدى فلسطينيي الشتات.
إلى ذلك كله، فإن سياسات ” الاونرا” في رعاية اللاجئين لم تكن على المستوى المسؤولية المناطة بها في جميع الدول العربية التي احتضنت اللاجئين في ربوعها. وها هي اليوم في نزعها الاخير عاجزة عن تقديم الخدمات، وكأنها تقوم بتصفية ذاتية لمسألة اللاجئين، وذلك في ظل تفاوت القوانين والأنظمة التي ترعى هؤلاء بين بلد وآخر.
وفي لبنان كان هناك استغلال سياسي للجؤ الفلسطيني في جميع الاتجاهات، وبات الوجود الفلسطيني لاعبًا اساسيًا على المسرح السياسي اللبناني ، وكانت الحرب الأهلية التي دفع اللبنانيون والفلسطينيون ثمنها غاليًا. خصوصا ان عدد اللاجئين قد زاد بنسبة كبيرة بعد أحداث الاردن في العام ١٩٧٠، وأن الوافدين منهم من المملكة الهاشمية لم يسجلوا في قيود هيئة غوث اللاجئين وايضا من هرب من مخيمات سوريا منذ سنوات على إثر نشوب الحرب في هذا البلد.    
بالطبع إن تركيبة لبنان الشديدة الحساسية والهشاشة حالت دون أن يكون للاجئين حقوق ، كالتي تمتعوا بها في كل من سوريا والاردن وحتى العراق، وتونس بعد مغادرة منظمة التحرير لبنان إليها في العام ١٩٨٢.
وفي قمة بيروت العربية أصر رئيس الجمهورية عهدذاك العماد اميل لحود على تضمين البيان الختامي للقمة، والمبادرة العربية للسلام بندا يؤكد حق العودة للفلسطينيين بموجب القرارات الدولية. وقد ايد ذلك الأمير عبدالله بن عبد العزيز آل سعود (خادم الحرمين الشريفين في ما بعد). وقد أطلق اسمه على المبادرة التي باتت تعرف ب” مبادرة الأمير عبدالله للسلام”، ولاحقاً المبادرة العربية للسلام.

بالتوازي، نحن نعمل وسنعمل سوية على تعزيز خدمات الاونروا، وضمان استدامتها، لأننا نرى في الاستقرار الاجتماعي والانساني استقرارا أمنيًا وسياسيًا يفتح المجال لتوسيع دائرة المعالجات على أكثر من مستوى. إن بحت موضوع الحقوق يستوجب بحث هواجس كثيرة أثيرت وتثار وستثار حول السلاح الفلسطيني، لناحية سحبه من خارج المخيمات وتنظيمه داخلها، وهذا هو موقف الحكومة اللبنانية، وما تعمل عليه لجنة الحوار، وقد سبق لنا في المجلس التنفيذي في الرابطة المارونية أن استمعنا الى شرح حول الرؤية الاستراتيجية للجنة الحوار حول قضيتي: الحقوق والسلاح، وأبدينا ملاحظات حول ما سمعناه، واستعدادنا لدعم كل مسار يخدم سيادة واستقرار لبنان، ويعزز حياة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان الى حين ايجاد الحلول الدائمة. أكثر من ذلك نحن نعتبر أن لبنان المستقرّ هو دعم للقضية الفلسطينية.

انطلاقا من ذلك، لا بد من تأكيد ما يأتي: 
أ – التمسك بحق العودة الذي نصت عليه كل القرارات الدولية ذات الصلة.
ب- إن حق العودة هو الركن الرئيس للقضية الفلسطينية، فمن دونه لا حل لهذه القضية. لا الآن ولا غدا. ولا يمكن لهذه القضية أن تسقط، طالما هناك فلسطيني واحد يؤمن بالعودة ويسعى إليها.             
ج- أن عودة الفلسطينيين إن حصلت، وتحصنهم بهذا الحق ، يبعد التوترات مع المجتمعات المضيفة لهم. ولنا في ما حصل في لبنان منذ العام ١٩٧٥ حتى العام ١٩٨٢ عبرة.       
ولسنا في صدد نكء الجراح اذا صارحنا الفلسطينيين بالقول انهم ظلموا لبنان من دون وجه حق عندما باتوا فريقا في وجه فئة من اللبنانيين في العام ١٩٧٥. مع ما رتب على موقفهم هذا من تداعيات لا نزال تحت وطأتها. وقد عرضهم ذلك لخسارة قضيتهم وادخلهم في متاهة لم يحسنوا الخروج منها لليوم.  
د- أن في التشبث بحق عودة اللاجئين مصلحة عربية – لبنانية مشتركة ، يجب عدم التخلي عنها من أجل تثبيت قواعد الاستقرار الوطني، العربي، والاقليمي.             
ه- على هيئة ” الاونروا” الا توقف خدماتها. ويجب السعي إلى تعزيز دورها وتفعيله، لتبقى حيثيات اللجوء قائمة بالمعايير القانونية المنصوص عنها والمتعارف عليها، في انتظار الحل الشامل للقضية الفلسطينية التي ينبغي أن يكون حق العودة في مقدم أولوياتها.           
لا فلسطين من دون فلسطينيين، ولا حل لقضيتها من دون حق أهلها في العودة.             
وازاء ما نشهد من محاولات التفاف على حقوق الفلسطينيين ، وأخصها حق العودة: يصبح مشروعا أن نطرح السؤال الاتي: هل المطلوب تصفية القضية الفلسطينية؟