كلمة لبنان في الدورة 114 لمؤتمر المشرفين على شؤون الفلسطينيين: لحماية الولاية القانونية للأونروا ورفض أي محاولات تستهدف تعديل دورها أو تحميل الدول المضيفة أعباء إضافية تتجاوز قدراتها

شاركت لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني ممثلةً بالمديرة التنفيذية نادين ماروق بأعمال الدورة 114 لمؤتمر المشرفين على شؤون الفلسطينيين في الدول العربية المضيفة جامعة الدول العربية في القاهرة.

وفي ما يلي كلمة لبنان:

يشرفني، باسم الحكومة اللبنانية، ولجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، نيابةً عن سعادة السفير رامز دمشقية، أن أشارككم أعمال الدورة 114 لمؤتمر المشرفين على شؤون الفلسطينيين في الدول العربية المضيفة، في مرحلة بالغة الدقة من تاريخ القضية الفلسطينية، وفي ظل تحديات إنسانية وسياسية ومالية غير مسبوقة تطال الشعب الفلسطيني، وتنعكس مباشرة على أوضاع اللاجئين في الدول المضيفة، وعلى عمل وكالة الأونروا.

وفي مستهل هذه الكلمة، يسعدنا أن نرحّب بإعلان وقف إطلاق النار الأخير في قطاع غزة، باعتباره خطوة أساسية وضرورية لوقف الانهيار الإنساني الكارثي الذي شهده القطاع على مدى العامين الماضيين. ونحيّي الجهود الكبيرة التي بذلتها جمهورية مصر العربية، إلى جانب مساهمات الدول العربية مجتمعةً والمجتمع الدولي، لتحقيق هذا الإنجاز، ونُثمّن عالياً كلّ من ساهم في التوصل إليه.

ومع ما يحمله هذا الموقف من هامش أمل، فإن لبنان يؤكد بوضوح أن وقف إطلاق النار لا يمكن أن يكون غاية بحد ذاته، بل يجب أن يشكّل مدخلاً لمسار سياسي جاد يفضي إلى تحقيق سلام عادل ودائم، يضمن حماية الشعب الفلسطيني وحقوقه. إن لبنان، الذي عاش معنى النضال من أجل الحرية والسيادة، يقف اليوم بكل ثبات إلى جانب الشعب الفلسطيني في حقه المشروع بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. وإننا نثمن على دور فرنسا والمملكة العربية السعودية على الإصرار في المضي في تنظيم المؤتمر الرفيع المستوى في أيلول 2025 والذي أكد على الالتزام الدولي بتنفيذ حل الدولتين.

ورغم هذه التطورات الإيجابية، لا يزال الواقع الإنساني في الأرض الفلسطينية المحتلة بالغ الخطورة، في ظل ما يشهده قطاع غزة والضفة الغربية من انتهاكات جسيمة، وقتل للمدنيين، وتدمير واسع للبنى التحتية، واستهداف مباشر لمقومات الحياة الأساسية، في خرق فاضح للقانون الدولي الإنساني ولقرارات الشرعية الدولية.

وإن الدولة اللبنانية تدين بأشد العبارات هذه الانتهاكات، ولا سيما العدوان المستمر على مخيمات طولكرم ونور شمس والفارعة، واستهداف مؤسسات ومراكز مخيم شعفاط، وتجدّد تضامنها الكامل مع الشعب الفلسطيني في نضاله المشروع لنيل حقوقه الوطنية المشروعة.

وفي هذا السياق، لا بدّ من توجيه تحية تقدير عميقة إلى موظفي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين – الأونروا، الذين يواصلون أداء رسالتهم الإنسانية في أقسى الظروف، ونتقدّم بأحرّ التعازي بسقوط مئات الشهداء من طواقم الوكالة خلال العدوان الأخير، في اعتداء صارخ على القانون الدولي الإنساني وعلى المبادئ التي تقوم عليها منظومة العمل الإنساني الدولي.

إن لبنان، انطلاقًا من موقعه كدولة مضيفة، يؤكد أن الأونروا ليست مجرد مؤسسة خدماتية، بل تشكّل العمود الفقري للاستقرار الإنساني والاجتماعي داخل المخيمات الفلسطينية، ولا سيما في لبنان، حيث تعتمد غالبية العائلات الفلسطينية اعتمادًا شبه كامل على خدمات الوكالة في مجالات التعليم والصحة والإغاثة.

غير أن هذا الدور الحيوي بات اليوم مهدّدًا بفعل الأزمة المالية غير المسبوقة التي تمرّ بها الأونروا، والتي انعكست بشكل مباشر على مستوى الخدمات المقدّمة، وعلى حقوق العاملين فيها، من خلال تقليص المساعدات، والضغط على القطاع الصحي، والاكتظاظ في المدارس، وتجميد التوظيف، والإجازات القسرية غير المدفوعة. وهي إجراءات تُنذر بتداعيات اجتماعية وأمنية خطيرة لا تقتصر آثارها على اللاجئين وحدهم، بل تطال الدول المضيفة واستقرارها الداخلي.

وقد بدأت الأونروا بالفعل باتخاذ تدابير صعبة في لبنان، مثل دمج الصفوف في مدارسها، وفي إطار التزامها بمبدأ الحياد، اضطرت إلى إنهاء عقود عدد من المعلمين في لبنان، وهو ما يفاقم التحديات التربوية ويؤثر على جودة التعليم المقدّم للطلاب.

وهنا أودّ أن أشير بفخر إلى أن الحكومة اللبنانية رفضت بشكل قاطع أي مقترحات من الأونروا لتقليص الخدمات أو التأثير السلبي على قطاع التعليم، ولا سيما قطاع التعليم الثانوي، وأصرّت على الحفاظ على هذا الحق الأساسي للاجئين الفلسطينيين. كما قدّمت الحكومة التوجيه والدعم للأونروا في عملية صنع القرار.

ولا بدّ من الإشارة إلى أن استمرار التعليم للاجئين الفلسطينيين في لبنان يتم في سياق شديد التعقيد، حيث يواجه القطاع التعليمي اللبناني نفسه ضغوطًا هائلة نتيجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتداعيات الحرب الأخيرة التي ألحقت أضرارًا بالبنية التحتية للمدارس. إن العمل مع الأونروا في هذه الأزمة في القطاع التعليمي ضمن هذا الواقع المنهك يشكّل تحديًا كبيرًا، ويستدعي تنسيقًا وثيقًا بين الحكومة اللبنانية والوكالة لضمان عدم المساس بحق الطلاب الفلسطينيين في التعليم، والحفاظ على جودة العملية التعليمية رغم شح الموارد. إن هذا القرار الاستراتيجي يعكس التزامنا المشترك بحماية حق الطلاب في التعليم حتى في أصعب الظروف.

ومن هذا المنبر، يجدّد لبنان رفضه القاطع لأي مساس بخدمات الأونروا أو بحقوق موظفيها، ويدعو إلى المعالجة الفورية والعادلة للأوضاع الوظيفية للعاملين المتضررين، ولا سيما أولئك الذين اضطروا إلى مغادرة قطاع غزة قسرًا. كما يؤكد أن أي نهج أحادي في اتخاذ قرارات تمسّ الأمن الوظيفي أو الاستقرار المجتمعي داخل المخيمات يشكّل تهديدًا مباشرًا للسلم الأهلي، ويجب تصحيحه دون إبطاء.

وإزاء هذا الواقع، يشدد لبنان على أن الدعم السياسي للأونروا، مهما بلغ، لا يكفي وحده لضمان استمرارية عملها، ما لم يُترجم إلى التزامات مالية فعلية ومستدامة من قبل الدول المانحة. واستمرار الوكالة في أداء رسالتها لا يمكن أن يقوم على منطق التقشف الذي يدفع ثمنه اللاجئ والموظف في آنٍ معًا، بل يتطلب تمويلًا كافيًا وثابتًا يضمن استمرارية الخدمات الأساسية دون انقطاع.

كما يؤكد لبنان ضرورة حماية الولاية القانونية للأونروا بموجب القرار 302، ورفض أي محاولات تستهدف تعديل دورها أو تحميل الدول المضيفة أعباء إضافية تتجاوز قدراتها. ويشدّد في هذا الإطار على أن أي مقاربات أو تصورات لمستقبل الوكالة يجب أن تتم بالتنسيق الكامل مع الدول المضيفة، وضمن احترام سيادتها وأولوياتها الوطنية.

وفي إطار تعزيز الثقة بعمل الوكالة، يثمّن لبنان تولّيه، بالشراكة مع المملكة المتحدة، الرئاسة المشتركة للفريق المعني بالحيادية والنزاهة داخل اللجنة الاستشارية، تطبيقًا لتوصيات كولونا، ويؤكد أن هذا الدور يهدف إلى حماية الأونروا من محاولات التسييس والاستهداف، وتعزيز الشفافية، دون المساس بحقوق اللاجئين أو بوظيفة الوكالة الإنسانية الأساسية.

وعطفًا على ذلك، تودّ الدولة اللبنانية التأكيد، مع باقي الدول المضيفة، على أن الموارد اللازمة لتنفيذ مختلف توصيات كولونا يجب أن تُلحظ كتمويل إضافي لضمان عدم المساس بميزانية برامج الأونروا الأساسية، على أن تُطرح هذه المسألة وتُعالج بشكل جماعي دون إعاقة فريق الحيادية من أداء واجبه.

أما فيما يتعلق بالمخطط الاستراتيجي للأونروا للعامين القادمين 2026–2028، فإننا ندعو جميع الدول المضيفة إلى مناقشة جدّية وتفصيلية لمختلف الأهداف التي عرضتها الأونروا الأسبوع الماضي خلال اجتماع اللجنة الفرعية، لما يظهره هذا المخطط من تحديات في مختلف برامج الأونروا، ولا سيما برنامج الإغاثة الذي يشكّل عصبًا حيويًا للاجئ الفلسطيني.

وعلى الصعيد الوطني، رحّبت الدولة اللبنانية بقرارات الرئيس الفلسطيني المتعلقة بإعادة هيكلة اللجان الأمنية والتنظيمية والسفارة، وبدأت لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، بالتعاون مع سفير دولة فلسطين الجديد، باستكمال العمل على تحسين الأوضاع الاقتصادية والأمنية والاجتماعية للاجئين الفلسطينيين في لبنان، تعزيزًا لمفهوم السيادة الوطنية من خلال تنسيق مستمر ومباشر بين السلطات اللبنانية والفلسطينية لضمان الاستقرار وتنفيذ التوجيهات والاستحقاقات المشتركة.

وتأتي هذه الدورة لتناقش قضايا مفصلية تتعلق بقضية اللاجئين الفلسطينيين، وحق العودة، وأوضاعهم القانونية والإنسانية، ودور الأونروا، وهي قضايا مترابطة لا يجوز التعامل معها بمنطق التجزئة أو التأجيل. ومن هنا، يدعو لبنان إلى موقف عربي موحد يعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية كمحور مركزي في العمل العربي المشترك، ويحمي حق العودة وفق القرار 194، ويرفض بصورة قاطعة كل أشكال التوطين أو الحلول البديلة.

وفي الختام، يتوجّه لبنان بخالص الشكر والتقدير إلى جامعة الدول العربية، وإلى الدول المضيفة كافة، وإلى الدول الداعمة للأونروا، ويُجدّد التزامه الثابت بدعم الوكالة ودورها الحيوي، وبمساندة الشعب الفلسطيني في سعيه المشروع لنيل حقوقه الوطنية، وفي مقدّمها حق العودة والعيش بكرامة، إلى حين التوصل إلى حل سياسي عادل وشامل.

الكلمات: