الهبّة الفلسطينية المستجدة

ماذا كان يدور في ذهن ابنة الثلاث عشرة من عمرها براء رمضان عندما اقتربت من حاجز عسكري إسرائيلي في محيط مدينة قلقيلية؟ ألم تكن تعرف أنها ستتعرض فوراً لاطلاق النار عليها ؟ وكيف يمكن حراس الموقع ان يشتبهوا في أن فتاة في مثل هذا العمر تحمل سكيناً في حقيبتها وتخطط للقيام بهجوم وهي لم تفتح حقيبتها ولم تشهر سكيناً؟ وكيف يطلق جندي إسرائيلي النار على طفلة فلسطينية بدم بارد معتبراً اياها خطراً محدقاً ليظهر لاحقاً أن حقيبتها “المشبوهة” لم تحتو سوى على أقلام وكتب ودفاتر؟
ليست “ثقافة الموت” لدى الفلسطينيين كما يدعي الإسرائيليون ولا سياسة التحريض التي يتهمون السلطة الفلسطينية بممارستها هما اللتان شجعتا براء على تحدي رمز من رموز الاحتلال والمجازفة بالموت؛ بل دوافع شخصية فردية كالذكرى المؤلمة لمقتل شقيقتها رشا على الحاجز عينه العام الماضي، وتسليم رفاتها فقط قبل شهر إلى العائلة لدفنه. وهو أيضاً الاحساس بالغضب والمرارة واليأس في كل مرة كانت براء تمر بالقرب من الحاجز الذي قتلت امامه شقيقتها، والرغبة الشديدة المتأججة في صدر كل شاب فلسطيني في التمرد على واقع الخنوع والخضوع والذل وتحدي سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
تشير الهبّة الفلسطينية المستجدة التي شهدتها شوارع القدس الشرقية والخليل في الضفة الغربية في الأيام الأخيرة الى ان كل اساليب القمع والعقاب الجماعي التي استخدمتها إسرائيل ضد سكان هذه المناطق لم تجد نفعاً. كما يظهر تجدد الهجمات الفلسطينية أن أوامر الأجهزة الأمنية الإسرائيلية باطلاق النار وقتل أي شاب أو شابة يقوم بمحاولة هجوم حتى لو كانت فاشلة، لم تردع الشبان الفلسطينيين ولم تخفهم. كما لم تنفع عمليات الاعتقال الاستباقية والدخول الى المخيمات تحت جنح الظلام لترهيب الناس، ولا مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي ولا الاحتفاظ بجثامين القتلى الفلسطينيين كورقة مقايضة لشراء صمت عائلات الشهداء الفلسطينيين.
لقد فشلت كل اساليب القوة والقمع والعقوبات الجماعية في القضاء تماماً على الهبّة الفلسطينية الجديدة أو ما تسميه إسرائيل عمليات الأفراد. وما تجددها بعد فترة تراجعت فيها وهدأت سوى دليل آخر على ان الاسرائيليين لن يستطيعوا ان يعيشوا في أمان ما دام جيشهم يحتل أراضي الفلسطينيين.
ولكن يجب الاعتراف بأن هجمات الأيام الأخيرة التي سقط فيها أكثر من شاب لا يمكن أن تؤدي إلى منعطف حقيقي في الصراع مع الاحتلال ما لم تتحول الى حركة احتجاج شعبية سلمية واسعة النطاق تتحدى في آن واحد عجز السلطة الفلسطينية الحالية وآلة الموت الإسرائيلية.

الكلمات: