ناجي العلي “أيقونة” القضية الفلسطينية في ذكرى استشهاده الـ29

نادراً ما تترسخ أعمال فنية في مخيلة فئات متعددة من المجتمع المعاصر..
وقلة من تبقى أعماله خالدة في الذاكرة لأبناء جيله أو معاصريه..
ومن النوادر أن تتناقل هذه الأعمال وأخبارها إلى أجيال ولدت بعد رحيل الفنان..
لكن، كيف إذا تحولت هذه الأعمال إلى ذاكرة، أصبحت جزءاً من ثوابت وتراث أقدس القضايا العادلة، قضية فلسطين؟!
هذا ما استطاع الفنان الكاريكاتوري العربي الفلسطيني ناجي سليم حسين العلي أن يفعله، بحيث أصبح “حنظلة” الذي وقع به رسوماته جزءاً من الثوابت الفلسطينية مع خارطة فلسطين ومفتاح العودة..
لم يتحقق ذلك، ولم تحاكِ رسومات الشهيد ناجي العلي واقع الحال الآن، وهي المرسومة قبل أكثر من 3 عقود من الزمن، إلا لأنه رسمها بإحساس صادق مرهف، ناقلاً معاناته ومعاناة أبناء شعبه وأمته والمظلومين، وتاركاً لريشته الحرية بالإنتقاد اللاذع للمتخاذلين والمتآمرين، وهازئاً من المحتلين والصهاينة..
ناجي، كان يعرف أنه سيستشهد اغتيالاً، لذلك أكثر من رسوماته، وأخرج مكونات أفكاره وأحاسيسه، وهو المتأكد من أنه سيلتقي مع الشهداء “يوم يلتقي الجميع، الشهداء وأبناء المخيمات والمغتربون، حاملين صورة الوطن”..
وهو الذي كان على قناعة أنه :”إللي بدو يكتب لفلسطين.. وإللي بدو يرسم لفلسطين.. بدو يعرف حالو: ميت”..
بتاريخ 27 آب 1987، أعلن عن استشهاد الفنان ناجي العلي في “مستشفى شيرينغ كروس” في لندن، بعدما تعرض لاغتيال أمام مبنى صحيفة “القبس” الكويتية التي كان يعمل لحسابها (22 تموز من العام ذاته) بمسدس مزود بكاتم للصوت، حيث أصيب تحت عينه اليمنى..
هذا الاغتيال ولد ثورة حقيقية، فأعطى وقوداً للشباب والمسنين، ولاحقاً الأطفال والفتية، كل يعبر عن رأيه بشجاعة وجرأة، حتى لو أمام سلطان جائر..
أول اهداء بتوقيع ناجي
كان أول مقالات الرثاء التي أكتبها في جريدة “اللـواء” عن الشهيد ناجي العلي (نشرت الثلاثاء 1 أيلول 1987 – ص5)، وجاء فيها: “قالوا اغتيل ناجي العلي، ولم يصدق البعض ذلك، وكنت أول المصدقين، كيف لا تغتال يد الإجرام والغدر فدائياً كناجي العلي، حمل ريشته صارخاً متمرداً من بين الخيم، من قلب البؤس والحرمان والتشرد ليصرخ في وجه جلاديه وما أكثرهم، قائلاً: “إن شعبي صاحب الحق في وطنه فلسطين”.
كان ثائراً بوجه كل الذين ساهموا ولا زالوا يساهمون ويساعدون الاحتلال الإسرائيلي على البقاء.
نهض ناجي العلي من مخيم البؤس والحرمان والنضال، مخيم عين الحلوة، الذي رفع الرايات السوداء حزناً وحداداً لاغتياله، ليقول لكل الجلادين والطغاة: “إن هذا الشعب ثائر، ولن يرضى بحياة الحرمان والتشرد، لأنه صاحب قضية في فلسطين، وصاحب الحق فيها”.
كان يحمل قضية شعبه ليصفع كل المتخاذلين عن درب النضال، ويقول لهم: “إن فلسطين فوق حياة ناجي العلي”.
ناجي العلي لم يكن أول شهيد ولا آخر شهيد، ولكن باستشهاده قد جدد العزم، وجعل كل الوطنيين يرتقون إلى مستوى الشهادة.
قسماً بدمك الطهور وبروحك.. قسماً بكل ذرة تراب.. قسماً بالمسجد وكذلك الكنيسة التي ناجيت فيها قراءك وأنت تقول “يا رب”، سوف تجد من يأخذ من دمائك الطاهرة مداداً لكلماته، ولتعابيره رغم كل الصعاب، فيعرف ما هو موقع ناجي العلي بالنسبة لكل الوطنيين الشرفاء، الذين سيتابعون المسيرة من بعدك”…
وخلال إحدى الزيارات إلى الفنان ناجي العلي في منزله في نزلة صيدون – صيدا، كانت برفقة قريبه شاعر الثورة الفلسطينية إبراهيم محمد صالح “أبو عرب” بحضور زوجته وداد صالح النصر “إم خالد”، وذلك قبل الغزو الإسرائيلي للبنان في حزيران 1982، أهداني كتيباً تضمن مجموعة لرسوماته، وكانت أول هدية لكتيب موقع من صاحبه، ضممتها إلى مجموعة الكتب التي فزت بها عن المشاركة في مسابقة حملت اسم “الشهيد غسان كنفاني”، وكانت مجموعة قصص له، لكن مع الغزو الإسرائيلي، واقتحام قوات الاحتلال لمنزل العائلة في صيدا، صادرت وأتلفت هذه الكتب، مع مجموعة من الكتب التي تعنى بالقضية الفلسطينية.
منذ الصغر تفتحت ذاكرتي على اسم مجموعة من المناضلين من أجل قضية فلسطين، وبينهم ناجي العلي، نظراً إلى علاقة الصداقة مع والدي، وصلة القربى من زوجة خالي (وهي ابنة خاله من بلدة الشجرة)، وتجاور السكن بعد نكبة فلسطين في العام 1948 والنضال سوياً ضمن “حركة القوميين العرب”.
الفتى الفلسطيني، الذي ولد في قرية الشجرة بين طبريا والناصرة في العام 1937، اضطر إلى النزوح عنها في العام 1948، لكن بقيت هذه السنوات راسخة في مخيلته، حيث اعتبر أن مولوده الذي عرف باسم “حنظلة”، كان طفلاً في العاشرة من عمره، وتوقف تاريخ نموه عند تلك اللحظة، وهو الفلسطيني بأفق قومي، وبعد كوني – إنساني، وشاهد على الظلم، وسيظل دائماً في هذا العمر الذي غادر فيه فلسطين، ولا يمكن أن يكبر أو يتغير وضعه إلا بعد العودة إلى أرض الوطن.
حط رحال عائلة ناجي، في الشارع التحتاني للجهة الجنوبية من مخيم عين الحلوة، وكان يتنقل بين خيمة إقامة العائلة وخيمة المدرسة، قبل أن يتم استئجار “بركس” مسقوف بألواح “الزينكو” من “أبو جميل”، ولم تستهوه الألعاب، بل كان يحظى باهتمام المدرسين الذين وجدوا لديه ميولاً إلى الرسم، الذي كان يعبر من خلاله عن معاناته وأحاسيسه، بالرسم على دفاتر المدرسة، أو في دكان والده، أو مستخدماً قطعاً من الفحم (يأخذها من خيمة ديوان “الأمير” حسين علي (عم صلاح صلاح)، فيرسم على الأرض وجوانب الشوادر المصنوعة من القماش، وبعض الجدران – نادرة الوجود، آنذاك – خاصة التي كانت مخصصة للحمامات العامة، ولاحقاً جدار “مدرسة حطين” بالقرب من مكان سكن عائلته.
بقيت رسومات ناجي في محيط المخيم، ولقي تشجيعاً من “ضمير فلسطين” أحمد اليماني “أبو ماهر”، فانضم إلى “حركة القوميين العرب”، الذين مارسوا النضال على طريقتهم، وأسسوا في العام 1959 “نادي الشباب العربي الفلسطيني” في مخيم عين الحلوة، وكانت هيئته الإدارية تتألف من: صلاح صلاح، سليم زعيتر (والد كاتب هذه السطور)، سليم أبو سالم، إبراهيم حسين، نصار موعد، سعيد الصالح وأحمد شريدي.
وكان ناجي يتردد مع أصدقائه محمد مطر (قريبه) ومحمد النصر (شقيق زوجته لاحقاً) على النادي الذي اتخذ مقراً له في الشارع التحتاني وسط مخيم عين الحلوة، فكان يجلس على كرسي خشبي صغير، أمام قهوة مقابل النادي مع أترابه ورفاق الدرب.
كنفاني واكتشاف موهبة العلي
حرص مسؤولو النادي على استضافة نخب وشخصيات قيادية، لاطلاع أبناء الشعب الفلسطيني على كل تطور، والتركيز على سبل النضال من أجل قضية فلسطين، وفي طليعتهم: محسن إبراهيم، أنيس الصايغ وغسان كنفاني.
في زيارة كنفاني هذه إلى المخيم، لفتته رسومات الشاب ناجي العلي، فأعجب بها، وأطلع على 3 منها كانت ترسم بخط اليد ويتم سحب نسخ منها من خلال الـ”ستانسل” التي كان يتم استخدامها لنسخ الأوراق والأسئلة في مدارس “الأونروا”، وتوزع نسخ منها ضمن نشرة “الصرخة”.
ونشر كنفاني الرسمة الأولى لناجي العلي في “مجلة الحرية” التي كانت تصدرها “حركة القومين العرب” (25 أيلول 1961، العدد رقم 88)، وكانت عبارة عن خيمة تعلو قمتها يد تلوح للحرية، قبل أن ينطلق ناجي في رحلة ظهور لوحاته على صفحات جريدة “السياسة” الكويتية.
كان ناجي كغيره من المناضلين الفلسطينيين نزلاء السجن من قبل “الشعبة الثانية”، فما يلبث الخروج منها مع رفاقه، حتى يعود إليها ثانية، لكن حوّل ناجي جدران هذه الزنازين إلى فسحة للتعبير عن مشاعره وأحاسيسه برسوماته المتعددة والمتنوعة.
وبين محطاته في الكويت ولبنان ولندن والصحف التي رسم على صفحاتها، أصبح للرسم الكاريكاتوري معانٍ مختلفة عن المرحلة السابقة، وأجبر القراء على استهلال قراءة الصحيفة من الصفحة الأخيرة وليس الأولى.
وبعدما رسم الفنان ناجي العلي لـ”فاطمة” الفلسطينية التي تمثل عنفوان النضال رغم الحرمان، اعتمد توقيع “حنظلة” الذي تغيرت وقفته ومعالم يديه، فبعدما أدار ظهره، كتف يديه بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، حيث كان ناجي يستشف من ذلك تسوية أميركية في المنطقة نال إثرها الكثير من التهديدات ومحاولات الاغتيال، وبعد العام 1983 أصبح “حنظلة” حافي القدمين.
اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، ناجي إثر غزوها لبنان في العام 1982 خلال وجوده في مدينة صيدا، لكن لم تتعرف إلى شخصيته الحقيقية، حيث كان يبدو وكأنه مسن، فانتقل إلى بيروت، وبعدها إلى الكويت، ثم لندن، حيث استشهد.
لماذا اغتيال ناجي العلي؟
سبق اغتيال الشهيد ناجي العلي بفترة وجيزة اندلاع شرارة “الانتفاضة الأولى” – “انتفاضة الحجارة” (7 كانون الأول 1987)، وهي الانتفاضة التي رسم لها الشهيد قبل اغتياله.
اغتيال سياسي لأشهر رسامي الكاريكاتير العرب، في توقيت دقيق، حقق غايته وأهدافه، بوقف رسومات شكلت أرقاً للكثيرين، ووجهت أصابع الاتهام إلى قيادات في “منظمة التحرير الفلسطينية”، علماً بأن أداة التنفيذ كان اسماعيل حسن صوان، الذي اتضح أنه عميل مزدوج لـ”الموساد” الإسرائيلي، وأوكل إليه لاحقاً اغتيال الشهيد ناجي.
طلب من صوان التردد على عبد الرحيم مصطفى، مندوب في ممثلية “منظمة التحرير الفلسطينية” في لندن، لتسهيل المهمة، بهدف اتهام مسؤول في المنظمة بأنه هو من طلب إليه تنفيذ هذه المهمة.
لكن الحقيقة الناصعة انكشفت، وأن صوان جند من قبل “الموساد”، وجرى وصله من خلال عميل الجهاز بشارة سمارة (من الجولان) مع ضابط “الحالة” في “محطة الموساد” في لندن “ألبيرت”.
وكان مصطفى قد غادر لندن في كانون الثاني 1987 – أي قبل اغتيال الشهيد ناجي العلي – وحكم القضاء البريطاني على صوان بالسجن 12 عاماً (8 سنوات سجناً فعلياً)، غادر إثر إنتهاء المدة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث أمن له “الموساد” لجوءاً في السويد، خشية اغتياله كما جرى مع شقيقه إبراهيم صوان، الذي اغتالته الثورة الفلسطينية في العام 1988، بتهمة العمالة.
واتخذت رئيسة الوزراء البريطانية – آنذاك – مارغريت تاتشر، قراراً بإغلاق مكتب “الموساد” في لندن.
وكانت أمنية ناجي أن يدفن إلى جوار والده في مخيم عين الحلوة، لكن الظروف حالت دون ذلك، فتمت مواراة جثمانه الثرى في مقبرة “بروك وود” الإسلامية في لندن، في ضريح حمل الرقم (230191).
إذا التهمة جاهزة سريعاً – أي تحقيق الهدف – وهذا ما ينطبق على واقعنا الحالي في الكثير من الاغتيالات التي نفذت في لبنان وفلسطين والعالم العربي والساحات الدولية، بتخطيط صهيوني، وإن تعددت أدوات التنفيذ والمسميات والعناوين، فالنتيجة تحقيق هدف المخطط.
واغتيال النخب الفلسطينية المثقفة استهل مع رئيسة وزراء العدو غولدا مائير التي أمرت في شهر حزيران 1972، مدير “الموساد” – آنذاك – تسفي زامير، بتنفيذ لائحة اغتيالات ضمت أسماء أعلام وقيادات فلسطينية في طليعتهم مثقفون وكتاب وأدباء، لسهولة الوصول إليهم – نظراً إلى قلة وجود الحراسة والاحتياطات الأمنية، إذا وجدت – ولخطورة هؤلاء في توعية وتوجيه الرأي من مخاطر المؤامرة الصهيونية ومشاريعها التآمرية.
وكان في طليعة من استهدف:
الأديب والكاتب غسان كنفاني، حيث استشهد مع ابنة شقيقته لميس نجم، بانفجار عبوة زرعها عملاء “الموساد” في سيارته أثناء توقفها في كراج منزله في منطقة مار نقولا في بيروت (8 تموز 1972).
ومن ثم اغتيال وائل عادل زعيتر ممثل “منظمة التحرير الفلسطينية” في روما، الدبلوماسي والسياسي والأديب من قبل أحد ضباط “الموساد” بكاتم للصوت (17 تشرين الأول 1972).
وأيضاً اغتيال الدكتور محمود الهمشري ممثل “منظمة التحرير الفلسطينية” في فرنسا على أيدي “الموساد” بانفجار شحنة ناسفة وضعت بالقرب من هاتف منزله (8 كانون الأول 1972).
وإرسال طرد مفخخ إلى بسام أبو شريف، حيث انفجر خلال محاولته تصفحه، فأصيب بجروح في وجهه وأنحاء من جسمه (25 تموز 1972).
واغتيال 3 من أعضاء اللجنة المركزية لحركة “فتح” كمال ناصر، كمال عدوان ومحمد النجار “أبو يوسف” في منطقة فردان في بيروت (10 نيسان 1973).
وأيضاً إرسال طرد مفخخ مموه إلى الدكتور وديع حداد القيادي في “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، لكنه وصل خطأ إلى طبيب لبناني يحمل الاسم ذاته.
كما نجا من محاولات الاغتيال بطرود مفخخة رئيس الدائرة السياسية في “منظمة التحرير الفلسطينية” فاروق القدومي، وممثل المنظمة في الجزائر “أبو خليل” وآخرون.
كما استهدف مدير “مركز الأبحاث الفلسطينية” الدكتور أنيس عبد الله صايغ، الذي أصيب بجروح بالغة في يديه ووجهه وعينيه (1972).
هذا هو المخطط الصهيوني باستهداف النخب الفلسطينية، نظراً إلى خطورة الكلمة والصورة والكتاب والرسم الكاريكاتوري، وهذا يؤكد أن اغتيال شخصية بمستوى الشهيد ناجي العلي، يأتي ضمن هذا المخطط – وإن تعددت الوسائل والأدوات – الذي ما زال مستمراً طالما أن المعركة مع العدو هي صراع حضارات ومعركة وجود.
وبعد فشل عملاء “الموساد” باغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” خالد مشعل في عمان (25 أيلول 1997،) نشرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، قائمة بمهام اغتيال ناجحة ارتكبها “الموساد” في الماضي، وذكر ضمنها اسم ناجي العلي.
رحل الشهيد ناجي العلي، وعلى الرغم من مرور 29 عاماً على هذا الرحيل، لكن ما زال إرثه النضالي حافزاً لكل الثائرين المناضلين من أجل الحرية والتحرير، وأصبحت أيقونة “حنظلة”، بصمة مميزة في قضية النضال الفلسطيني.

 

الكلمات: