نكبة فلسطين: نتائج البقاء في الجليل

كان الكاتب «عادل مناع»، وهو يتحدًث عن سيرته عندما كان طفلاً، دقيقاً في وصفه الأحداث التي وقعت في هذه الفترة الزمنية، في قريته «مجد الكروم»؛ وعلى رغم أن أول من حدثه عما يحدث كان والده ووالدته والأقارب، فإنه لاحظ أن الخطوط العريضة لهذه الأحداث متشابهة: بدأت هذه الأحداث باحتلال اليهود لقريته حيث دخل بعض الجنود الصهاينة من الجهة الغربية بسلام؛ إلا أن الأمور انقلبت بعد أسبوع عندما حضر من الشرق جنود آخرون فهدموا البيوت وقتلوا الشباب على ساحة العين. ومع ذلك فإن الأهالي ظلوا في أغلبيتهم في بيوتهم وبلدتهم. لم تنته أحداث النكبة في قريته عند هذا الحد، إذ عاد جنود الجيش الإسرائيلي بعد المذبحة بشهرين حيث طردوا مئات السكان من بيوتهم، وكان والده من بينهم وهو أيضاً. في هذه الأثناء تعرض الكاتب لأول حادث غيّر قناعاته كلها عندما كان في المدرسة الابتدائية وشارك مع أبناء الصف الرابع في نشاطات «عيد الاستقلال» العاشر لدولة اسرائيل، كانت هذه الاحتفالات حدثاً مهماً في علاقات اسرائيل بمواطنيها العرب، لأنها حاولت إجبارهم على المشاركة في هذه الاحتفالات. ويتذكر بأن الطلبة عملوا بنشاط وسرور وأنه كان هو فخوراً بدورين أداهما على خشبة مسرح الاحتفال الذي دُعي إليه أولياء أمور الطلبة، في الدور الأول أنشد مع الفرقة الموسيقية نشيد الاحتفال بـ»عيد استقلال بلادي»؛ والدور الثاني كان مسرحية قدمها طلاب المدرسة أمام أولياء الأمور. يُضيف الكاتب أنه لم يخطر بباله حتى ذلك اليوم أن يُشكك فيما سمع في المدرسة عن تاريخ الصهيونية ونجاحها في إقامة دولة اسرائيل، التي بحسب تلك الرواية، نجحت في صد «عدوان» سبع دول عربية هاجمتها للقضاء عليها؟! 
عندما فاتح والده في موضوع رأيه في احتفالات المدرسة منذ أيام. سمع منه لأول مرة ما لم يخطر له ببال؛ سمع رواية تتناقض مع ما تعلمه في المدرسة. بعد تردد قال الوالد: «ليس يوم فرح واحتفال (يوم الاستقلال)، بل كارثة ومأساة للعرب عموماً ولقريته خصوصاً، ليس (يوم استقلال) بل يوم استحلال ما جرى لنا عام 1948». كانت الرواية التي سمعها الطفل مؤلمة فيها احتلال وقتل السكان وطردهم من بيوتهم… انطبعت الرواية في ذاكرته وألهبت خياله الذي حاول جاهداً أن يرسم مسار الإبعاد عن القرية وأماكن اللجوء والعودة الى البيت ثانية؟! وهكذا ترعرع منذ أواخر الخمسينات على روايتين لأحداث تلك السنة التي شهدت إقامة اسرائيل ونكبة الشعب الفلسطيني. أما الحادث الثاني فقد أكد هذه القناعات، يقول أنه عندما اشتد عوده نشر في حزيران 1984 مقالاً في جريدة «هآرتس»، ضم فقرة قصيرة من سيرته الذاتية وأخرى عن قريته وما حدث فيها سنة 1948. يُضيف الكاتب أنه لم تتأخر ردود الفعل الهجومية من القراء اليهود العاديين والمختصين على أصنافهم فأسكتوا اهتمامه البحثي بالموضوع. وعلّمته تجربته اقترابه من لهب النار كلما حاول سرد رواية الفلسطينيين بعامة والبقية الباقية منهم في اسرائيل خاصة. لذلك بقي لسنوات أخرى بعيداً عن هذه الموضوعات الملتهبة والمرتبطة بالنكبة وأثرها على الفلسطينيين، وهكذا عاد الى الأبحاث في «منطقة الأمان» المتعلّقة بتاريخ فلسطين أيام العثمانيين. 
يهدف الكاتب كما يقول إنه يعود الى حرب 1948 وتداعياتها من وجهة نظر المهزومين الذين لم يُسمع صوتهم في أحداث النكبة؛ فالفلسطينيون في الداخل صاروا «مواطنين» في اسرائيل عانوا مدة طويلة جراء تهميش مضاعف على جانبي خط الصراع، والكتاب يُسلط الأضواء على من لم يُطردوا، أو هُجروا ثم عادوا الى بيوتهم وبلداتهم، فهؤلاء الباقون هم الذين يُحاول هذا البحث الكشف عن حكاياتهم المثيرة والمغيبة في معظم الدراسات المتعلقة بالنكبة، والاسباب والأوضاع التي أدت الى بقاء فلسطينيين في حيفا والجليل كانت مختلفة ومتعددة، وهكذا فإن تاريخهم سنة 1948 هو الوجه الآخر لمسألة اللاجئين التي نالت اهتمام الباحثين، وسيحاول هذا البحث الإجابة عن أسئلة تتعلق بحيثيات البقاء وأسبابها ومدى وجود نمط وسياسة عليا موجهة، ويرتبط هذا الحقل بحقل حالات «عدم الطرد» وبمسألة التهجير أو التطهير العرقي من خلال «عدم الطرد» إذ ان «عدم الطرد» في شمال فلسطين لم يكن عشوائياً، بل نتيجة أوامر سياسة عليا من القيادة الاسرائيلية، وهذا القول لا يتناقض مع الهدف الرئيسي للقيادة الصهيونية والاستراتيجية القائمة على ابقاء أقل عدد ممكن من العرب في دولة اليهود لأنه الشواذ الذي يُثبت القاعدة لأسباب وحيثيات خاصة. والى جانب بعض حالات البقاء بسبب أوامر عليا، فإن كثيرين من الفلسطينيين صمدوا أمام سياسة التشريد على الرغم من الأوامر والخطط لتهجيرهم، فهل نجح هؤلاء بسبب الجغرافيا وطوبوغرافيا منطقتهم الجبلية؟ وهل كان للتركيبة الطائفية (دروز ومسيحيون ومسلمون) دور مهم؟ وهل أثر توقيت الاحتلال في بقاء بعضهم في الجليل؟ وماذا عن القيادات المحلية ونوعية القرارات التي اتخذت في لحظات الحرب الحرجة؟ وهل صحيح ما يُقال عن مقاومة سياسة الطرد وخصوصاً من جانب الشيوعيين، أم أن الاستعلام عنها قد تكشف جوانب مثيرة في تاريخ هذه الأقلية الفلسطينية خلال عام النكبة وما بعدها. 
يكرر الكاتب قوله إنه لا يحاول كتابة حرب 1948 في فلسطين من جديد، وإنما يكتفي برسم الخطوط العريضة لأحداثها في شمال البلد، والتي يمكن تقسيمها الى ثلاث مراحل يختلف بعضها عن الآخر في السياسات التي أتبعت إزاء الفلسطينيين، وكذلك في تصرفاتهم خلال أشهر الحرب وما بعدها. وسنتناول عرض حكاية أولئك الذين نجحوا في البقاء في الجليل مقارنة بوسط البلد وجنوبه «للإجابة على هذا السؤال بعمق سيتم التدقيق في اختلاف الجغرافيا وأزمنة الاحتلال، والسياسات الاسرائيلية، وأيضاً ردود فعل العرب وتصرفاتهم في مراحل الحرب المتعددة. أما المراحل الثلاث للحرب في فلسطين بصورة عامة، والجليل بصورة خاصة فكانت كالتالي: الاولى: من اوائل كانون الاول 1947 حتى أواخر آذار 1948؛ الثانية من أوائل نيسان الى أواخر تموز 1948؛ الثالثة من أواخر تشرين الاول حتى كانون الاول 1948. في شرحه لمضامين كل مرحلة، يقول الكاتب انه في المرحلة الاولى لم تبرز الفجوات في الجاهزية للقتال بين الفلسطينيين واليهود بسبب السياسة الدفاعية التي اعتمدتها منظمة الهاغاناه؛ وكان لوجود القوات البريطانية، في أنحاء البلاد خلال تلك المدة، دور في هذا التكتيك، بالإضافة الى محاولة عدم استفزاز ردود فعل عربية شاملة. وعلى الرغم من ذلك فعندما اختارت الهاغاناه القيام بعمليات عسكرية تبين ان المواطنين الفلسطينيين مكشوفون من دون أي حماية تُذكر، وكانت إحدى العمليات الاولى قد وُجهت الى سكان قرية الخصاص الى الشمال من بحيرة الحولة ونفذتها قوات البالماخ في 18 كانون الاول 1947 وقُتل فيها عشرة من السكان بينهم بعض الاطفال، فأدى نسف البيوت وقتل السكان الى انتشار الذعر بين أهالي القرية والقرى المجاورة، فتشرد المئات ولاذوا يفتشون عن ملجأ لعائلاتهم في الارض السورية… كان خروج الفلسطينيين من قراهم ومدنهم هدفاً إيجابياً حققه الطرف اليهودي كجزء من تنفيذ عملية الاقتلاع والإحلال الصهيونية… فعرب أقل في البلد وأرض أكثر في أيدي المستوطنين اعتبرا دائماً هدفان صهيونان منشودان. وهكذا بدأت القرى والمدن في المنطقة تتساقط الواحدة تلو الاخرى بأيدي اليهود. وصادف وقوع حادثين متقاربين زمنياً، الاثر المهم في سير الاحداث: الاول استشهاد القائد عبدالقادر الحسيني في 8 نيسان 1948، اذ كشف مقتل هذا القائد البارز في تلك المرحلة من الحرب ضعف القيادة العربية العسكرية والسياسية معاً؛ اما الحدث الثاني فيتمثل بهجوم غادر على قرية دير ياسين المسالمة حيث قُتل وجُرح مئات الرجال والاطفال والنساء. ولما انتشرت الاخبار عن تفصيلات المذبحة بما فيها التمثيل بالجثث وحرقها والإهانات… دب الذعر والرعب وعدم الامان في صفوف الفلسطينيين حيث شكل هذان الحدثان في المنطقة بداية الهزيمة الفلسطينية التي انتهت بخراب البلد ونزوح العباد… 
لا شك أن فصول الكتاب الاخرى غنية بالمعلومات الدقيقة والمهمة والتي لم نستطع استعراضها بسبب متطلبات المقال.

الكلمات: