نهر البارد”.. الحياة قبل الحرب شيء وبعدها شيء آخر

يُعرف مخيم نهر البارد قبل الحرب المدمرة التي اندلعت فيه عام 2007 بين الجيش اللبناني وتنظيم فتح الاسلام الارهابي، بأنه المخيم الاكثر ازدهارا بين المخيمات الفلسطينية في لبنان.. بل انه تخطى تلك المقارنة ليتبوأ مركزا تجاريا مرموقا في منطقة شمال لبنان بسبب الحركة التجارية الناشطة التي كان يتمتع بها في ذلك الحين.
المخيم القريب من الحدود اللبنانية السورية والواقع على خط دولي يربط اكثر من منطقة لبنانية ببعضها، استطاع خلال فترة قصيرة ان يشكل سوقا مركزيا لمنطقة معروف عنها انها الأفقر في لبنان.
لعل من أهم العوامل التي جعلت نهر البارد محل استقطاب للأشقاء اللبنانيين هو تدني أسعار كل أنواع البضائع في المخيم مقارنة بأسعارها خارج المخيم. فاللبناني كما الفلسطيني كان يعتبر المخيم سوقا تموينيا له في المجالات كافة، وكانت اكثر المراحل ازدهارا هي مناسبات الأعياد الخاصة بالأخوة المسيحيين والمسلمين على حد سواء.
كما تميز تجار نهر البارد عن غيرهم بنظام التقسيط الذي كان يسهل على الزبائن شراء الأشياء باهظة الثمن على فترات طويلة ومن دون فوائد أو ضمانات قانونية ضد الزبون.
فعلى سبيل المثال لا الحصر كان يوجد في المخيم حوالي 14 محلا لبيع الذهب، وأكثر من ثلاثة معامل لتصنيع مواد البناء، ومعامل الزجاج والدهان والخشب والحديد، واكثر من عشرة محلات لبيع البلاط بكل أنواعه بالإضافة الى عشرات  المطاعم والمقاهي وصالات الأفراح. كما كان في المخيم أسواق داخلية تعتبر الأكثر ازدهارا في منطقة شمال لبنان.. ولا داعي للتعجب حين نقول ان بعض التجار في المخيم كانوا وكلاء حصريين لبعض الماركات العالمية على مستوى لبنان وليس فقط شمال لبنان.
كما اعتبر “نهر البارد: السوق الأساسي لمزارعي محافظة عكار وقضاء المنية والضنية، حيث كان يقوم هؤلاء ببيع محاصيلهم الى تجار المخيم او الى الزبائن مباشرة.
يعتبر محمد حسن وهو من تجار المواد الغذائية والتموينية ان تجارته تأثرت سلبا وبشكل كبير بعد الحرب، ويقول: “كنت أملك قبل الحرب اكثر من ثلاثة محلات لتوزيع البضائع على المحلات الصغيرة في المخيم وعلى التجار في المناطق اللبنانية المجاورة، أما الآن فأعمل في محلي المتوسط متمنيا في آخر النهار ان يكون مدخولي كافيا لي ولعائلتي”.

وعن أسباب تدهور الحالة الاقتصادية والتجارية فيعلل بضياع رأس المال خلال الحرب، وعدم وجود تسهيلات من قبل الشركات كما كانت قبل الحرب، وضعف حركة دخول الأخوة اللبنانيين الى المخيم. وحول الحل الأمثل لهذه المشاكل يشير حسن الى ضرورة السماح للزبائن من خارج المخيم الوصول الى أسواق المخيم والعمل على إيجاد تسهيلات لهذا الأمر، والحل الثاني بإعطاء قروض دون فوائد من قبل المؤسسات الدولية لتجار مخيم نهر البارد.
يعيش حاليا في المخيم 60% من أهله، وتم إعادة إعمار ما يقارب 50% من المخيم القديم، أضف إلى ذلك نزوح الآلاف من أبناء شعبنا من مخيمات سوريا الى المخيم. لذا يعتبر أمر تزويد اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا إلى لبنان بالفرص الاقتصادية أمراً في غاية الأهمية لانتشالهم من حالة الفقر، حتى ولو تمّ توفير هذه الفرص عبر الاقتصاد غير النظامي بحسب بعض الخبراء.
ويتحدث محمد عوض وهو صاحب محلات ألبسة في مخيم نهر البارد، عن أن “زبائن المحل كان معظمهم من الأخوة اللبنانيين الذين كانوا يأتون من مختلف مناطق شمال لبنان” ويعزو تراجع الحركة التجارية في المخيم الى ضعف حركة دخول الناس الى المخيم، رافضا المقارنة بين الحركة التجارية قبل وبعد الحرب في نهر البارد. “مع بداية العودة الى المخيم اعتمد بعض التجار على ما يسمى كوبونات الألبسة من قبل المنظمات غير الحكومية التي كانت تقدم مساعدات لأبناء المخيم ولكن هذه المشاريع توقفت، والزبون القادم من عكار او طرابلس لم يعد يفضّل القدوم الى المخيم بسبب الإجراءات فيفضل الأسواق الأخرى، ونحن كان اعتمادنا الأكبر على الزبائن من خارج المخيم.” يقول عوض.
بعد تدمير المخيم لم يستطع المئات من أصحاب المحلات إعادة فتحها من جديد بسبب غياب رأس المال من جهة وعدم إعادة اعمار ما تهدم من جهة اخرى، وبذلك تكون العديد من العائلات قد فقدت مصدر رزقها الوحيد واصبح أرباب هذه العائلات عاطلين عن العمل. وتم البحث من قبل بعض التجار عن اماكن خارج المخيم لفتح ما تيسر من محلات هربا من حالة الكساد التي سيطرت على المخيم رغم عودة نصف أهله اليه.
تعتبر إحدى نساء المخيم (فضلت عدم ذكر اسمها) والتي كانت تمتلك محلا لبيع اللوازم المنزلية بأن اصحاب الدخل المتوسط والمتدني هم الاكثر تضررا مما حصل، كما انهم لم يعودوا قادرين على إعادة إحياء ما دمرته الحرب. وتشير الى انه حتى هذه اللحظة لم يعد السوق الأساسي في المخيم الى سابق عهده بسبب صغر مساحة المحلات التي بنيت حسب مخططات الاونروا وهو ما ينظر اليه الكثير من أبناء المخيم بعين الريبة.
بحسب دراسة قامت بها الجامعة الأمريكية في بيروت حول أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، فان المصدر الرئيسي للدخل لدى اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان هو العمل الحر، بنسبة 41%، يليه العمل المأجور، بنسبة 37.8%، ومساعدات الأونروا من خلال برنامج شبكة الأمان الاجتماعي، بنسبة 33.5%. ولا يعاني اللاجئون الفلسطينيون المقيمون في لبنان واللاجئون الفلسطينيون القادمون من سوريا إلى لبنان من البطالة فحسب، بل تعمل الغالبية العظمى منهم في وظائف منخفضة الأجر تخضع في معظم الأحيان إلى ظروف عمل قاسية واستغلالية وغير آمنة. فعلى سبيل المثال، يتقاضى 53.4% من العمال (من اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا) أجورهم يوميّاً، في حين أن الاغلبية (97.7%) لديهم اتفاقات شفهية فقط مع أرباب عملهم، ما يسمح بإنهاء التوظيف في أي وقت من دون إشعار مسبق. وعلاوة على ذلك، لا يحصل 98.2% من العاملين على إجازة مرضية أو سنوية.
مخيم نهر البارد هو مخيم للاجئين الفلسطينيين يقع في شمال لبنان، بالقرب من مصب نهر البارد. وهو على مسافة 16 كم من مدينة طرابلس بالقرب من الطريق الساحلي. وأنشا المخيم في الأساس اتحاد جمعيات الصليب الأحمر عام 1949 لتوفير الإقامة للاجئين الفلسطينيين من شمال فلسطين، وقد بدأت الأونروا خدماتها هناك في عام 1950.

 

الكلمات: , , , , , , , , , , ,