صحة واستشفاء
يُعدّ الحق في الصحة من الحقوق الأساسية التي كرّستها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، إلا أنّ ممارسته في لبنان تتأثر بالوضع القانوني الخاص للاجئين الفلسطينيين الذين لا يتمتعون بصفة المواطن، ويخضعون لنظام قانوني يحدّ من استفادتهم من الخدمات العامة، ومنها الرعاية الصحية. وفي هذا السياق، يقتصر دور الدولة اللبنانية على تدخلات وقائية وتنظيمية محدودة تمليها اعتبارات حماية الصحة العامة، في حين تتحمّل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين )الأونروا) المسؤولية الأساسية في تقديم الخدمات الصحية، استنادًا إلى ولايتها القانونية الدولية، ما يجعل النظام الصحي للفلسطينيين قائمًا على ترتيبات غير وطنية وغير شاملة
أولًا: الإطار القانوني العام
يخضع اللاجئون الفلسطينيون المقيمون في لبنان لأحكام القوانين اللبنانية المتعلّقة بالأجانب، دون أن يتمتعوا بصفة “المواطن اللبناني”، الأمر الذي يحدّ من استفادتهم من الخدمات العامة، بما فيها الرعاية الصحية .
ولا يتضمن التشريع اللبناني نصًا خاصًا يمنح الفلسطينيين حقًا مستقلًا وشاملًا في الاستشفاء على نفقة الدولة، بل يظل تدخل الدولة محكومًا باعتبارات إدارية وصحية عامة .
في المقابل، تنص مقدمة الدستور اللبناني على التزام الدولة بمواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ما يشكّل أساسًا مبدئيًا لاحترام الحق في الصحة، لكن من دون ترجمة تشريعية كاملة لهذا الحق بالنسبة للاجئين الفلسطينيين.
أولًا: الخدمات الصحية والًستشفائية التي تقدّمها الدولة اللبنانية للفلسطينيين
1- المستشفيات الحكومية
يحق للفلسطينيين الاستشفاء في المستشفيات الحكومية اللبنانية :
على نفقتهم الخاصة، أو بموجب تحويل صادر عن الأونروا .
ولا يستفيد اللاجئ الفلسطيني من تغطية وزارة الصحة اللبنانية إلا في حالات استثنائية محدودة، كالأوبئة أو الكوارث الصحية العامة، وذلك استنادًا إلى مبدأ حماية الصحة العامة في الإقليم اللبناني، لا إلى اعتراف بحق فردي دائم في الاستشفاء.
وقد أبرمت الدولة اللبنانية في بعض الأحيان اتفاقات تنسيقية مع الأونروا تتيح استقبال المرضى الفلسطينيين في المستشفيات الحكومية ضمن سقف مالي محدد تتحمّله الوكالة.
2- الوقاية والصحة العامة
تتيح وزارة الصحة اللبنانية للفلسطينيين المقيمين على أراضيها الاستفادة من برامج التحصين الوطنية ضد الأمراض السارية (مثل شلل الأطفال، الحصبة، والسل)، وذلك بالتعاون مع الأونروا ومنظمة الصحة العالمية، التزامًا بمبدأ الصحة الوقائية ومقتضيات الأمن الصحي الوطني.
3- الرقابة والإشراف
تمارس السلطات الصحية اللبنانية رقابة عامة على الأوضاع البيئية والصحية داخل المخيمات الفلسطينية، في إطار مسؤولياتها السيادية عن الصحة العامة، وإن كان التطبيق العملي لهذه الرقابة يبقى محدودًا بفعل الظروف الأمنية والإدارية الخاصة بالمخيمات .
وعليه، يقتصر دور الدولة اللبنانية في المجال الصحي تجاه الفلسطينيين على دور إشرافي وتنظيمي ووقائي، أكثر منه دورًا خدميًا مباشرًا.
ثانيًا: الخدمات الصحية والاستشفائية التي تقدّمها الأونروا
تتولى الأونروا المسؤولية الأساسية في مجال الرعاية الصحية للفلسطينيين في لبنان، استنادًا إلى ولايتها القانونية المقرّرة بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 (د- 4 ) لعام1949
1-الرعاية الصحية الأولية
تشغيل شبكة من العيادات الصحية داخل المخيمات وخارجها .
تقديم المعاينة الطبية العامة، متابعة الأمراض المزمنة، رعاية الأم والطفل، التلقيح، والصحة المدرسية.
تأمين الأدوية الأساسية مجانًا للاجئين الفلسطينيين المسجّلين لديها .
2- الاستشفاء (الرعاية الثانوية والثالثية(
تعتمد الأونروا نظام الإحالة إلى مستشفيات حكومية وخاصة متعاقدة معها .
تغطية 100 ٪ من الحالات الطارئة والولادة .
تغطية جزئية للحالات الجراحية والباطنية .
مساهمات محدودة في العمليات المكلفة جدًا، كعلاج السرطان وأمراض القلب.
اللجوء إلى صندوق الحالات المستعصية أو منظمات شريكة عند العجز المالي.
3- الصحة النفسية والدعم الاجتماعي
برامج دعم نفسي واجتماعي داخل بعض العيادات والمدارس.
خدمات التوعية الصحية، تنظيم الأسرة، ومكافحة الإدمان.
4- التعاون مع مؤسسات محلية ودولية
تنسيق دائم مع وزارة الصحة اللبنانية، منظمة الصحة العالمية، الهلال الأحمر الفلسطيني، والصليب الأحمر اللبناني
ثالثًا: النتيجة العامة
يتبيّن من مجمل الإطار القانوني والتطبيقي أن اللاجئ الفلسطيني في لبنان لا يتمتع بحق قانوني وطني شامل في الصحة والاستشفاء على غرار المواطن اللبناني، بل يستفيد من : تدخلات محدودة للدولة اللبنانية، تمليها اعتبارات الصحة العامة، ورعاية صحية أساسية تتحمّلها الأونروا بصفتها الجهة الدولية المختصة.
وتبقى هذه المنظومة الصحية هشّة، ومرتبطة بشكل وثيق بالتمويل الدولي المتقلّب، ما يجعل حق الفلسطيني في الصحة حقًا غير مستقر ومعرّضًا للأزمات الدورية، في ظل غياب سياسة وطنية صحية شاملة تجاه اللاجئين .
تتمحور الإشكالية القانونية الأساسية حول السؤال الآتي : هل يتمتع اللاجئ الفلسطيني في لبنان بحق قانوني فعلي في الصحة والاستشفاء، أم أن ما يحصل عليه يندرج في إطار تدخلات استثنائية ومحدودة لا ترقى إلى مستوى الحق؟
ويتفرع عن هذه الإشكالية تساؤلان أساسيان :
1-ما هو نطاق التزام الدولة اللبنانية قانونًا في مجال الصحة والاستشفاء تجاه اللاجئين الفلسطينيين ؟
2- ما هو الأساس القانوني الذي يجعل الأونروا تتحمّل العبء الأساسي للرعاية الصحية بدل الدولة ؟
أنشئت لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني بقرار من مجلس الوزراء اللبناني عام 2005 ، لتكون الإطار الرسمي المنسّق لسياسات الدولة تجاه اللاجئين الفلسطينيين. وقد أولت اللجنة، ضمن مقاربتها الشاملة للأوضاع المعيشية، ملف الصحة والاستشفاء أهمية خاصة، باعتباره من أكثر الملفات ارتباطًا بالكرامة الإنسانية والاستقرار الاجتماعي .
وتجلّى اهتمام اللجنة بالشق الصحي من خلال:
-إعداد دراسات وتقارير ميدانية حول أوضاع الصحة داخل المخيمات الفلسطينية.
-التأكيد المتكرر على هشاشة البنية الصحية في المخيمات وارتباطها بأزمات التمويل.
-الدعوة إلى تعزيز التنسيق بين الوزارات اللبنانية المختصة، ولا سيّما وزارة الصحة العامة، والأونروا، المنظمات الدولية، بهدف احتواء المخاطر الصحية التي لا تقتصر آثارها على الفلسطينيين وحدهم، بل تطال الصحة العامة في لبنان ككل






